القاضي التنوخي

9

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

ما احتوى أولئك عليه ، وقصورا عن [ 3 ط ] أن تنتج خواطرهم أمثال تلك الفضائل والخصال ، وأن تتسع صدورهم لفعل ما يقارب تلك المكارم والأفعال هذا مع أن في زمانهم هذا من العلماء المحتسبين « 1 » في التعليم ، [ والحكماء ] « 2 » والأدباء المنتصبين للتأديب والتفهيم ، وأهل الفضل والبراعة ، في كلّ علم وأدب ، وجدّ وهزل وصناعة ، من يتقدّم بجودة الخاطر ، وحسن الباطن والظاهر ، وشدّة الحذق فيما يتعاطاه ، والتبريز فيما يعانيه ويتولَّاه ، كثيرا ممن تقدّمه في الزمان ، وسبقه بالمولد في ذلك الأوان ، ويقتصر منهم على الإكرام دون الأموال ، وقضاء الحاجات دون المغارم والأثقال ، فما يرفعون به رأسا ، ولا ينظرون إليه الَّا اختلاسا ، لفساد هذا العصر ، وتباعد حكمه من ذلك الدهر ، وإنّ موجبات الطبائع فيه متغيّرة متنقّلة ، والسنن دارسة متبدّلة ، والرغبة في التعلَّم معدومة ، والهمم باطلة مفقودة ، والاشتغال من العامّة بالمعاش قاطع ، ومن الرؤساء بلذّاتهم البهيميّة مانع « 3 » ، فنحن حاصلون فيما روي من الخبر إنّ الزمان لا يزداد إلَّا صعوبة ، ولا الناس إلَّا شدّة ، ولا تقوم الساعة إلَّا على شرار الخلق ، وما أحسن ما أنشدني أبو الطيّب المتنبّي لنفسه من قصيدة ، في وصف صورتنا : أتى الزّمان بنوه في شبيبته فسرّهم وأتيناه على الهرم « 4 »

--> « 1 » في ط : المحسنين . « 2 » الزيادة من ط . « 3 » في ب : قانع . « 4 » وجدت الناسخ في ب قد أقحم فقرة بعد بيت المتنبي ، وصيرها في جملة المقدمة ، ولم أجد تلك الفقرة في ط ، ومع ثقتي بأنها من تدوين المؤلف ، إلا أني وجدتها أجدر بأن تدون في الحاشية ، فأثبتها ، وهذه هي الفقرة : حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخي ، المعروف - والده بأبي بكر الأزرق الأنباري ، قال : قال أبي : يا بني ، إذا كان يوم القيامة أصعب الأيام ، فكل ما قرب منه من الأيام ، ودخل في أشراطه كان أصعب » .